تشير خبرات العديد من المتخصصين في مجالات النفس والجسم إلى أن اللحظات التي تسبق النوم مباشرةً تُعد من أكثر الأوقات حساسية في اليوم. ففي هذه الفترة تصبح المسافة بين ما نفكر فيه وما يشعر به الجسد قصيرة جداً، وكأن الكلمات لا تبقى مجرد أفكار عابرة بل تتحول إلى نوع من الإشارات الداخلية التي يتجاوب معها الجهاز العصبي. لذلك يُنظر إلى المساء على أنه وقت حاسم: إما أن يظل فيه التوتر مسيطراً على الجسد، أو يتلقى الجسد إشارة واضحة بأنّ الوقت قد حان للتهدئة والاسترجاع.
العبارة الأولى بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها: «أنا أُعبِّر عن امتناني لجسدي». عندما يردد الإنسان هذه الجملة بوعي، يميل تنفسه تلقائياً إلى الهدوء، ويخف شعوره بالاستنفار الداخلي، وكأن الجهاز العصبي يخرج من وضعية الدفاع المستمر. إحساس الامتنان هنا ليس مجرد شعور معنوي، بل يمكن النظر إليه كرسالة أمان إلى الداخل، تساعد الجسد على التوقف عن حالة “المقاومة” المستمرة، وتسمح له بالدخول تدريجياً في حالة أهدأ وأكثر قابلية للترميم والاستشفاء الذاتي.
العبارة الثانية هي: «أنا أُطلِق سَراح هذا اليوم». كثيراً ما يظل العقل منشغلاً بأحداث النهار: حوارات، قرارات، مواقف لم تُحسَم. هذا التعلق الذهني بالتفاصيل ينعكس على الجسد في صورة انقباضات طفيفة وتوتر عضلي متواصل. عندما يختار الإنسان أن “يودِّع” يومه بوعي، ويتخلى عن إعادة عرض الأحداث في ذهنه، يبدأ الجسد بالتخفف، فيقل الشد العضلي، ويهدأ إيقاع القلب، وتتهيأ المنظومة بأكملها لنوم أعمق وأكثر انتظاماً. العلاقة هنا مباشرة بين ما نُمسِك به في أذهاننا وما يتجسد من توتر في أجسامنا.
أما العبارة الثالثة فهي: «أنا أُسامح نفسي على ما لم أكن أعلمه أو أستطع فعله». الشعور بالذنب من أكثر الأحمال النفسية ثقلاً على الإنسان، إذ يحافظ على حالة داخلية من الضغط يمكن أن تستمر لسنوات إن لم يُنتَبَه لها. عندما يقول الإنسان هذه الجملة بصدق، فهو يخفف عن نفسه عبء المحاسبة القاسية المستمرة، ويمنح جهازه العصبي فرصة للخروج من دائرة العقاب الذاتي. هذا النوع من المصالحة الداخلية قد يفتح الباب أمام شعور بالارتياح، كأن فرملة داخلية قد رُفِعت، فيسمح ذلك للجسد بالتنفس على نحو أوسع وأكثر راحة.
العبارة الرابعة هي الأهم في هذا السياق: «أنا أسمح لجسدي بأن يستعيد عافيته». الفكرة هنا ليست “الرجاء” أو “الانتظار”، بل إصدار إذن داخلي واضح. عندما يوجه الإنسان هذه الرسالة لنفسه، فإنه يعترف ضمناً بأن في الجسد قدرات فطرية على التنظيم وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وأن دوره هو إزالة العوائق النفسية قدر الإمكان ومنحه الإذن بالقيام بما جُبِل عليه. عندها يمكن أن يصبح النوم أعمق، والاستيقاظ في الصباح أخف وطأة، فيما يتراجع جزء من التوتر الداخلي دون صراع أو جهد مبالغ فيه.