التخلّص من الإرهاق القراري: حين تُتعبنا أبسط اختيارات الحياة

أضيف بتاريخ 01/24/2026
منصة المَقالاتيّ

نقف طويلًا أمام شاشة منصّة عرض نحاول اختيار فيلم، أو أمام تطبيقات توصيل الطعام، أو حتى رفّ النبيذ في السوبرماركت، حتى يتحوّل الأمر إلى توتر ورغبة في إلغاء القرار كليًا. يتحوّل فعل الاختيار، الذي يفترض أن يمنحنا حرية ومتعة، إلى مصدر قلق يضغط على الأعصاب ويجعلنا نفضّل «أي شيء» لمجرد الهروب من عبء الحسم.



هذا ما يُسمّى «التعب أو الإرهاق القراري»، أي الإنهاك الذهني الناتج عن كثرة القرارات المتتابعة في اليوم الواحد. هذه فكرة نظّر لها عالم النفس الأميركي روي باومايستر منذ التسعينيات تحت مسمّى «استنزاف الأنا». فالعقل، على غرار العضلة، يفقد مرونته وحيويته عندما يُستنزف بإجبار متواصل على الاختيار. في عالم اليوم، المليء بالخيارات في كل شيء من السلع إلى العلاقات، يجد كثيرون أنفسهم غارقين في سيل من القرارات الصغيرة التي تستهلك طاقتهم قبل الوصول إلى القرارات الأكبر.

غالبًا ما تأتي هذه الحالة امتدادًا لتعب عاطفي وحسي وذهني أعمق. لذا، لا تقتصر آثارها على التردد أو البطء في الحسم، بل قد تجرّ إلى شعور بالضيق أو حتى الاكتئاب الخفيف، خصوصًا لدى من يتحمّلون مسؤوليات يومية عالية مثل الأمهات والعاملين في مناصب قيادية. في هذا السياق، يغدو فائض الخيارات عبئًا أكثر منه امتيازًا، كما كشفت عنه تجربة «المربّى» الشهيرة التي برهنت أن كثرة النكهات المعروضة تقلّل من احتمال الشراء بدل أن تزيده، لأن المستهلك ينهار أمام سطوة الاحتمالات المفتوحة.

هنا أمثلة من الحياة الرقمية، مثل استخدام تطبيقات المواعدة التي تمنح شعورًا بالوفرة غير المنتهية للشركاء المحتملين. هذا يجعل اتخاذ قرار الارتباط أكثر صعوبة؛ فكل اختيار يبدو كتنازل عن خيارات أخرى. فينقلب الوفرة إلى شعور دائم بالشك واللايقين. بهذا المعنى، لا تأتي الأزمة من القرار نفسه بل من الخوف من فقدان ما لا نختاره، ومن وهم إمكانية المفاضلة بين جميع الاحتمالات.

أما الحلول المقترحة، فتدور حول استعادة نوع من التقشّف الاختياري. هذه تشمل تقليل عدد البدائل منذ البداية، ووضع قواعد شخصية ثابتة لتبسيط الحياة اليومية. بعض الشخصيات العامة التي اختارت نوعًا واحدًا من اللباس كي لا تهدر طاقتها في قرارات ثانوية تتكرر كل صباح، فعلت ذلك. ترتيب القرارات حسب أهميتها، وتأجيل الهامشي منها، واتخاذ المفصلية في أوقات اليقظة الذهنية كالصباح، ثم قبول الخيار الذي نتخذه دون استنزاف إضافي في الندم والتفكير المفرط بعد وقوعه، يساعد كذلك. بهذه الاستراتيجيات، يصبح التحرّر من الإرهاق القراري تمرينًا على تنظيم الحياة العقلية.